الشيخ الطبرسي
251
تفسير مجمع البيان
وأنكر هذا الوجه الزجاج لمخالفته لظاهر الكلام ، وما جاء في آية الأنفال من تقليل الأعداد . فإن قيل : كيف يصح تقليل الأعداد مع حصول الرؤية وارتفاع الموانع ؟ وهل هذا إلا قول من جوز أن يكون عنده أجسام لا يدركها أو يدرك بعضها دون بعض ؟ قلنا : يحتمل أن يكون التقليل في أعين المؤمنين بأن يظنوهم قليلي العدد ، لا أنهم أدركوا بعضا دون بعض ، لأن العلم بما يدركه الانسان جملة ، غير العلم بما يدركه مفصلا ، ولأنا قد ندرك جمعا عظيما بأسرهم ، ونشك في أعدادهم حتى يقع الخلاف في حرز عددهم . فعلى هذا يكون الوجه تأويل تقليل الأعداد . وقوله : ( والله يؤيد بنصره من يشاء ) النصر منه سبحانه على الأعداء يكون على ضربين : نصر بالغلبة ، ونصر بالحجة . فالنصر بالغلبة إنما كان بغلبة العدد القليل للعدد الكثير ، على خلاف مجرى العادة ، وبما أمدهم الله به من الملائكة ، وقوى به نفوسهم من تقليل العدة ، والنصر بالحجة ، وهو وعده المتقدم بالغلبة لإحدى الطائفتين لا محالة ، وهذا ما لا يعلمه إلا علام الغيوب . ( إن في ذلك ) أي : في ظهور المسلمين مع قلتهم ، على المشركين مع كثرتهم ، وتقليل المشركين في أعين المسلمين ، وتكثير المسلمين في أعين المشركين ( لعبرة لأولي الأبصار ) أي : لذوي العقول ، كما يقال لفلان : بصير بالأمور ، ولا يراد به الإبصار بالحواس الذي يشترك فيه سائر الحيوان . ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب [ 14 ] ) . اللغة : الشهوات : جمع شهوة ، وهي توقان النفس إلى المشتهى . يقال : اشتهى يشتهي شهوة واشتهاء . والشهوة من فعل الله ، ولا يقدر عليها أحد من البشر ، وهي ضرورية فينا ، فإنه لا يمكننا دفعها عن نفوسنا . والقناطير : جمع قنطار ، وهو المال الكثير العظيم . وأصله من الإحكام ، يقال : قنطرت الشئ : أحكمته . والقنطر : الداهية . وقيل : أصله من القنطرة ، وهو البناء المعقود للعبور . والمقنطرة : المحصلة من قناطير ، كقولهم : دراهم مدرهمة أي : مجعولة كذلك ،